الشيخ محمد اليعقوبي

333

خطاب المرحلة

والحج من أوله إلى آخره ، حافل بالمواعظ ابتداءً من الاستعداد للسفر والتزود له الذي يذكّرك بسفر الآخرة الطويل المجهول الأبدي والتزود له بالتقوى والأعمال الصالحة ، قال تعالى : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ ) ( البقرة : 197 ) . ومصاعب السفر وغربته ووحشة الأهل والوطن والأحبة تذكّر بوحشة البرزخ وغربته خرج الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في تشييع جنازة فلما وقف على شفير القبر قال : ( إن شيئاً هذا أوله - وهي الآخرة - لحقيق أن يخاف من آخره ، وان شيئاً هذه آخره - وهي الدنيا - لحقيق أن يزهد في أوله ) . وبِقُرَناء السفر الصالحين كانوا أو مزعجين تتذكر قرينك في القبر وهو عملك فإن كان صالحاً آنسك وأسعدك وإلا كان بئس القرين الذي ينغّص ويكدّر ويؤلم . وبلبس ثوبي الإحرام والتجرد عن كل متعلقاتك في الدنيا تتذكر أنك ستغادرها في يوم ما ملفوفاً بكفن كثوب الإحرام ولا تصحب منها شيئاً إلا ما قدمت لآخرتك ( وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ) ( البقرة : 110 ) . وهكذا تتوالى المواعظ التي يفهمها كل واحد بحسب مستواه ، فإذا خرج إلى عرفات - وهي أرض تقع خارج الحرم - التفت إلى هذا الدرس وهو أن مقتضى استحقاق الناس بحسب سعيهم في الحياة الدنيا أن يخرجوا من حرم الله وجنانه وان يحرموا رضوانه ، ولكنهم بعد أن يجأروا إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء ويلحّوا بطلب التوبة يوم عرفة يؤذن لهم بالعودة التدريجية إلى حرم الله ، ولكن بعد أن يطهروا أنفسهم بالدعاء وذكر الله تعالى في مزدلفة ( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) ( البقرة : 198 ) ، ويستجمع العدة لمواجهة الشيطان ورد كيده - بجمع الحصى - ثم يتوجه إلى منى ليرمي الجمرات معبّراً عن رفضه لطاعة وعبادة كل ما سوى الله تبارك وتعالى ( لا